‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
هل هذا خيار سورية الموعودة يا دكتور برهان؟!
رشاد أبوشاور
2011-12-07


- المصدر : القدس العربي - لا يمكن وصف تصريحات الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري بأنها غير موفقة، فهي لم تصدر منه عفو الخاطر، ولم تفهم منه على غير حقيقتها، وبعيدا عما تعنيه، فالصحيفة الأمريكية التي نقلتها، وول ستريت جورنال، في مقابلة أجرتها معه يوم الجمعة 2 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لا يمكن أن تقوّله ما لم يقل.
تلك التصريحات التي نقلتها إذاعة مونتكارلو في نشرتها الصباحية يوم السبت، وثبتتها 'القدس العربي' على موقعها الإلكتروني يومي السبت والأحد 3 و4 الجاري، لم ينفها الدكتور برهان، ولا أنكرها أي عضو من أعضاء المجلس الوطني الذي يشكل الأخوان المسلمون مكونه الأساس.
يعد الدكتور برهان في لقائه الصحافي مع الصحيفة بقطع العلاقات العسكرية الإستراتيجية مع إيران في حال وصلت المعارضة للحكم، ولا يتوقف عند هذا الحد في قطع العلاقات، ولا اعتراض على خيارات سورية إذا ما استحوذت المعارضة بقيادة المجلس الوطني الذي يترأسه الدكتور غليون على السلطة، فهذا شأنهم، ولكن ما يثير في تصريحاته للصحيفة المذكورة توعده بقطع العلاقات مع حزب الله، وحركة حماس الفلسطينية.
وكما جاء قي الصحيفة فإن إيران ستفقد بمحاصرة حزب الله حليفا قويا، فالدكتور لا يرى، كما هو واضح من تصريحاته للصحيفة الأمريكية، في حزب الله سوى مجرّد ذراع لإيران، وليس قوّة مقاومة كنست الاحتلال الصهيوني عن أرض لبنان في العام2000، وألحقت به هزيمة لم ينكرها قادته العسكريون والسياسيون والإعلاميون في تموز/يوليو العام 2006، وهو انتصار غير مسبوق في الصراع العربي الصهيوني.. فهل هذا الانتصار مصلحة إيرانية صرفة؟ ألا تراكم هذه الانتصارات مسيرة هزيمة المشروع الصهيوني، وتقريب فجر حريّة فلسطين، والعرب المؤمنين بنهضة الأمة؟!
في تصريحاته المتوعدة، والتي ترسم سياسة سورية التي ستكون عليها في حال هيمنت معارضة المجلس الوطني، لا يتوقف الدكتور برهان عند محاصرة حزب الله، وإنهاء العلاقة السورية ـ اللوجستيه معه، ومحاصرته، بل يعد أيضا بقطع العلاقة مع حركة حماس الفلسطينية ..لماذا؟ وهل سيكتفي هو والمجلس بطرد حماس وحدها، وهي غير محسوبة على إيران، وإن كانت تتلقى مساعدات مالية منها، فهي حركة فلسطينية، وهي دينيا (سنيّة)؟!
طرد حماس سيعني طرد كافة الفصائل الفلسطينية المتواجدة على الأراضي السورية..والتي كان طردها مطلبا أمريكيا، وشرطا لعلاقات (صحية أمريكية مع النظام الحالي!
أي دولة من حقها أن تنسج علاقات وطيدة مع دولة أُخرى، أو أن تهبط بعلاقاتها إلى مستوى العلاقات الفاترة، أو حتى تقطع علاقاتها مع دولة تسيء إليها..ولكن يا ترى : ما معنى توعد حركات مقاومة خطرها موجه للاحتلال سواء في فلسطين، أو على الأراضي اللبنانية؟!
نجد الجواب على تساؤلاتنا في تصريحات الدكتور نفسها، فهو يطمئن جهات بعينها أمريكية و(إسرائيلية) إلى أن سورية ..خيار المعارضة، ستكون مسالمة، فهي ستعمل على استعادة الجولان ..بالتفاوض، والتفاوض، والتفاوض!
ولأننا نعرف أن نظام الحكم الحالي سعى لاستعادة الجولان مرارا وتكرارا بالتفاوض، وآخر محاولة كانت بوساطة تركية ـ في الفترة الذهبية التي خبت بين سورية وتركيا ـ ولم يتمكن السيد أردوغان من إنجاز شيء مع نتنياهو، لأن الكيان الصهيوني الاحتلالي يريد بحيرة طبرية كاملة، وماء الجولان كاملا، والأراضي الزراعية المستثمرة دون تنازل عن دونم أرض واحد..ومقابل ماذا ؟ السلام!..فإننا نسأل الدكتور برهان، والمجلس الوطني بثقله الإخواني: هل أنتم أكثر براعة في المفاوضات؟ أم إن الاحتلال الصهيوني سيطمئن لكم، ويتنازل كرمى لروحهم السلامية عن الجولان؟ وهل أنتم أبرع من القيادة الفلسطينية التي قدمت تنازلات للكيان الصهيوني ما كانت تخطر ببال أحد ..ومع ذلك فها هي النتيجة ماثلة للعيان..أم تراكم لا ترون، ولا تسمعون، ولا تتعلمون؟!
تصريحات الدكتور برهان غليون غير مطمئنة لفصائل المقاومة الفلسطينية، وأبعد من ذلك لمئات ألوف الفلسطينيين الذين يعيشون في سورية منذ عام 1948 ، ويحظون في سورية، وفي كل عهودها السياسية بمعاملة محترمة تعبر عن أخوة عربية، حتى في زمن (الانفصال) رغم قبحه السياسي، وهذه السياسة تنسجم مع روح الشعب السوري العربية، وتبنيه القومي لفلسطين ـ سورية الجنوبية، التي رأى فيها دائما قضيته الوجودية الخاصة.
تصريحات الدكتور غليون ترسم ملامح سياسة سورية إقليمية تنسجم فقط مع ما يطلبه الآخرون ويريدونه من سورية، وهي تؤجج نزعات ونعرات إقليمية مغلقة تؤدي إلى الطائفية المريضة، وتبّت العلاقة مع فلسطين التي ستبقى القضية القومية الأولى رغم دعوات وخيارات كل القوى الانفصالية في بلاد العرب، وتحت أية مسميات وعناوين وادعاءات.
هنا نسأل: أهذا خطاب (ثورة) أم تراه خطاب (ثورة) مضادة يا دكتور؟!
ولأن الأمر لا يخص الدكتور غليون، فإن الإخوان المسلمين مطالبون بتوضيح موقفهم من تصريحاته. هل سيطردون حركة حماس والفصائل الفلسطينية من سورية في حال هيمنوا على الحكم؟!
وهل سيعني هذا أنه معنيون فقط بحكم سورية، ولا يعنيهم مصير ومستقبل المقاومة في فلسطين ولبنان؟!
هل موقفهم من حزب الله يعود إلى أسباب طائفية، أم اختلافا معه على المقاومة التي يرون أنها غير مجدية، وأن التفاوض لاستعادة الجولان هو الأسلم، كما يطرح الدكتور غليون الذي نصّبوه رئيسا لمجلسهم؟!
هذه التصريحات لها خلفيات، وهي تعبر عن تحالفات ، منها ما ظهر، ومنها ما هو خاف ..وإن كان لا يخفى على المتابعين، والمراقبين، والمعنيين بمصير ثورات الربيع العربي التي يعمل على اختطافها النفط العربي المتحالف مع كل أعداء الأمة، وفي المقدمة: أمريكا والكيان الصهيوني.
ثمّة ما بدأ يظهر، وما سيظهر، فمن يطرحون هذه الطروحات يتجهون للخيار(الليبي) في جانبه النفطي الناتوي..والعراقي في تجلياته الطائفية، وتبعيته، وما جرّه من خراب.
نحن من وقفنا مع حراك الشعب السوري، وخياراته، وحقوقه، ورفضنا الحل الأمني والقمع.. وعسكرة الحراك أيضا، نرى جيدا، ونقرأ جيدا، وبعض ما نراه يدفعنا للتنبه والتنبيه قبل فوات الأوان!.
ومن جديد نعود لرفع الصوت منحازين للشعب السوري الذي ينزف..ونعلن رفضنا لهكذا سياسة موعودة مدمرة للشعب السوري قبل إيران، وقبل حزب الله وحماس والفصائل الفلسطينية.
الثورات تنتصر بعزيمة وتضحيات الشعوب، وليس باستجلاب التدخل الخارجي الذي يرتهن الإرادة، وينحرف بالثورة إلى الثورة المضادة.
ختاما أود أن أسأل الدكتور برهان الذي عرفه القرّاء العرب مفكرا معنيا بنشر الوعي بالديمقراطية، وأهميتها لبناء مجتمعات جديدة حرّة، ودول عادلة معاصرة: هل استفتيت الشعب السوري بما طرحته، وما تبشر به لسورية.. أم تراك وما تمثله ترون أن الجماهير قاصرة، وأنكم تعرفون مصلحتها، وتقررون نيابة عنها؟!
بماذا إذن تختلفون يا دكتور عن أي نظام حكم تثور عليه الشعوب في بلاد العرب؟!
أسعد لحظات النظام السوري
عبد الباري عطوان
2011-11-10

 

(المصدر : القدس العربي) ترتكب فصائل وجماعات المعارضة السورية خطأ كبيراً اذا ما عوّلت على الجامعة العربية ووزراء خارجيتها لمساعدتها في مسعاها لإسقاط النظام السوري واستبداله بنظام ديمقراطي عصري، ليس لأن هــؤلاء لا يريدون، وانما لانهم غير قادرين، وينتظرون الضوء الاخضر من الولايات المتحدة وحلف الناتو قبل اتخاذ اي خطوة تجاه سورية.
صحيح ان الجامعة العربية، وامينها العام السابق عمرو موسى، لعبا دوراً كبيراً في توفير الغطاء 'الشرعي' العربي لتدخل حلف الناتو عسكرياً في ليبيا، تحت عنوان فرض مناطق حظر جوي لحماية المدنيين، تطور بعد ذلك لقصف مواقع العقيد القذافي وكتائبه في كل مكان، حتى بعد تدمير جميع طائراته ودفاعاته الجوية، ولكن الوضع في سورية مختلف تماماً، ودول حلف الناتو مترددة في التورط عسكرياً في اي محاولة لتغيير النظام، رغم دمويته ووصول عدد الذين سقطوا برصاص قواته الامنية الى ما يقرب من الاربعة آلاف شهيد حتى الآن.
المشكلة الاخطر التي تواجه المعارضة السورية تتمثل في الانقسامات المتفاقمة بين فصائلها، واللغة غير المقبولة، بل والبذيئة، المستخدمة بين المتحدثين باسمها في ذروة خلافاتهم على 'كعكة' التمثيل للثورة السورية، وهي لغة اكثر مفرداتها تأدباً كلمة 'التخوين' و'العمالة للنظام'.
من المؤكد ان السلطات السورية كانت في ذروة سعادتها وهي تتابع فصول المشهد الاسوأ حتى الآن لهذه الخلافات على ابواب الجامعة العربية، عندما منع افراد من الجالية السورية المقيمة في القاهرة (بعضهم محسوب على المجلس الوطني) ممثلي 'الهيئة الوطنية للتغيير' التي تضم خليطاً من رموزٍ معارضة في الداخل والخارج، من دخول مقر الجامعة العربية للقاء امينها العام الدكتور نبيل العربي، وتنسيق المواقف قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم السبت المقبل، لتقييم التعاطي الرسمي السوري مع مبادرة الجامعة، وتقرير طبيعة الخطوات والعقوبات المتوقعة.
كان مؤسفاً ان يتعرض هؤلاء للتشائم والقذف بالبيض الفاسد، والاتهامات بالخيانة والعمالة للنظام، وبينهم شخصيات تعرضت للسجن، مثلما حدث للسيد ميشيل كيلو، وافراد اسرته، وللقتل مثلما حدث لشقيق الدكتور هيثم منّاع.
فإذا كانت المعارضة السورية تريد تغييراً ديمقراطياً، ولا نشك في ذلك مطلقاً ونعتبره حقاً شرعياً، فإن ما مارسته بعض فصائلها، او المحسوبون عليها من افعال في القاهرة، يتعارض كلياً مع هذا الهدف، لأن اول شروط الديمقراطية هو احترام الحريات وحق الآخر في التعبير عن وجهة نظره.
' ' '
ندرك جيداً ان حالة الغضب التي تسود اوساط المجلس الوطني وبعض اتباعه تجاه 'هيئة التنسيق والتغيير' التي تضم رموز المعارضة في الداخل راجعة الى انخراط هؤلاء في حوار مع النظام، ومعارضتهم لأي تدخل عسكري دولي في الأزمة السورية، للمساعدة في اسقاط النظام ووقف آلة القتل الدموية التي يمارسها بقوة. ولكن من قال ان المعارضة يجب ان تكون متساوية مثل اسنان المشط، ولماذا لا يكون هناك تكامل او تبادل ادوار، او تعدد اجتهادات؟
وربما يفيد التذكير بأن المجلس الوطني السوري عارض، وفي البيان الاول لتأسيسه الذي اصدره في اسطنبول، التدخل العسكري الخارجي بشدة، وكانت هذه المعارضة نقطة التقاء مهمة مع معارضي الداخل، مثلما كانت معارضة 'عسكرة الثورة' نقطة التقاء اخرى في الاشهر الاولى لانطلاقتها.
نحن هنا لا ندافع عن معارضي الداخل، او نبرر مواقفهم في الحوار مع نظام نعرف جيداً ديكتاتوريته واصراره على الحلول الدموية الأمنية، ولكن لا بد من تفهم الظروف التي يعيش في ظلها هؤلاء تحت سقف هذا النظام القمعي، واصرارهم على البقاء على ثرى وطنهم، وتحمل الاهانات بل ومواجهة خطر الموت في اية لحظة.
ارتكب الكثير من العرب خطأ، والفلسطينيين منهم خاصة، عندما اتهموا عرب فلسطين الذين بقوا على ارضهم، ورفضوا مغادرتها، وقرروا ان يظلوا شوكة في حلق الاحتلال الاسرائيلي يقاومونه بكل الوسائل المتاحة، بالخيانة، واغلقت دول عربية الابواب في وجوههم، وها هم يكتشفون، وبعد عقود كم كان هؤلاء محقين في موقفهم عندما رفضوا قرار المغادرة، رغم عمليات الارهاب التي مورست ضدهم وما زالت حتى هذه اللحظة.
مرة اخرى نؤكد بل ونشدد اننا لا نقارن هنا بين النموذجين، فسورية تحكم من قبل ابنائها حتى وان اختلفنا مع اسلوب حكمهم، ولكن نتوقف هنا عند خطيئة الاحكام المسبقة، والاتهامات بالتخوين التي باتت، وللأسف الشديد، من ابرز ادبيات التخاطب في الوقت الراهن بين فصائل او بعض فصائل المعارضة السورية.
لا نريد لجماعات المعارضة السورية، وهي جميعها تنخرط في عمل سياسي وطني مشروع عنوانه التغيير الديمقراطي، ان تكرر الاخطاء التي وقعت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية، عندما سقطت ضحية الخلافات العربية، وبات بعضها ينفذ أجنداتها العقائدية، ويحارب دولاً او حتى فصائل اخرى تحت راياتها.
' ' '
فإذا كانت فصائل المعارضة تتنافس فيما بينها على نيل الاعتراف بها كبديل للنظام في سورية، فأن عليها ان توحد صفوفها اولا، وتنضوي تحت مظلة ديمقراطية واحدة، مثلما انضوت الفصائل الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وانخرطت في مؤسساتها الشرعية مثل المجلسين الوطني والمركزي، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقبل هذا وذاك يجب ان تعترف المعارضة السورية، وفي الخارج خاصة، انها لا تحظى بدعم ومساندة 'كل' الشعب السوري، وهناك نسبة، كبيرة كانت او صغيرة، من هذا الشعب ما زالت تؤيد النظام وتقف في خندقه، سواء خوفاً منه واجهزته الامنية، او من المستقبل المجهول الذي ينتظر البلاد في حال سقوطه.
ومثلما تعاني فصائل المعارضة السورية من الانقسامات، فإن الجامعة العربية ليست متماسكة ايضا، كما ان الغالبية الساحقة من الانظمة الممثلة فيها ليست ديمقراطية على الاطلاق، وبعض شعوبها لا تقل معاناتها عن الشعب السوري نفسه، وبعض هذه الانظمة لا تريــــد انتـــقال عدوى الانتفـــاضات الديمـــقراطية الى شعوبها، والا لماذا لا نرى اجتماعاً لوزراء الخارجية العرب لبحث الوضع في اليمن والانتصار لثورته؟ نقول ذلك على سبيل المثال لإظهار مدى الازدواجية العربية والغربية في آن.
من حقنا ان نطرح سؤالاً واضحاً على المجلس الوطني السوري وقيادته وهو: ألم يكن القبول بالمبادرة العربية التي يشدد احد بنودها على بدء جلسات حوار بين المعارضة والنظام تحت قبة الجامعة في القاهرة، اعترافا بهذا النظام ووجوده ، في الوقت الراهن على الاقل، فما هو الفرق بين محاورة النظام في دمشق او محاورته في القاهرة؟ اليس حواره في دمشق في عقر داره، وادانة قمعه، وقتله لشعبه، ومصادرة حرياته، وسلبه كرامته الوطنية والانسانية، هي ابلغ انواع المعارضة، وقول كلمة 'لا' لسلطان جائر التي وضعتها عقيدتنا في مكانة عالية سامية؟
لا نريد القاء محاضرات على الاشقاء في المعارضة السورية، فبينهم اساتذة وشخصيات تملك خبرة عالية في العمل السياسي، سواء اولئك الذين دفعوا ثمن معارضتهم سجناً وتعذيباً في السجون السورية الاسوأ في العالم بأسره، او الآخرين الذين تشردوا في المنافي وذاقوا طعم الحرمان من اهلهم وذويهم وارض وطنهم، ولكن من حقنا ان نطالب بالحكمة والتعقل، والترفع عن الانفعالات الشخصية، والتحلي بفضيلة التعايش مع الآخر، كتدريب على الديمقراطية، واستعداد للتعايش الاكبر في سورية نفسها حيث تعدد المشارب والآراء والطوائف والاعراق.
فإذا كانوا غير قادرين على التعايش فيما بينهم، وعددهم لا يزيد عن العشرات، فكيف سيحكمون او يتعايشون مع الملايين الذين قد يختلفون معهم في داخل سورية؟
أرسل إلى فيسبوك أرسل إلى فيسبوك

2011-10-28 عبد اللطيف البوزيدي - المغرب                                                                                                                           المصدر : القدس العربي اللندنية
ما الذي يجعل أحداث الربيع العربي عصية على التصنيف؟ فلا هي بالثورات الخالصة ولا بالتمردات الواضحة ولا بالانقلابات الجلية، بل إنها وبالأخص منها أحداث ليبيا واليمن وسوريا تكاد تكون خليطا هجينا من هذا وذاك، يظهر ذلك بوضوح أكبر في الثورة الليبية التي تبدو مزيجا من ثورة وتمرد وانقلاب، فهي بالنسبة لعامة الليبيين وبسطائهم ثورة على أوضاع فاسدة وقاهرة عمّرت أكثر مما يحتملون، وهي بالنسبة للعسكريين والديبلوماسيين المنشقين عن القذافي تمرّد على النظام من لدن جزء لا يتجزأ منه، وهي بالنسبة للمعارضين المدعومين والمموَّلين من الغرب انقلاب عسكري ضخم ومتهور لا يحسب حسابا للمدنيين، تنفذه نيابة عنهم أذرع غربية ويستفيد من 'الهبة الثورية الحقيقية' لأكثرية الشعب الليبي في الداخل، فللأسف ليس كل من نصبوا أنفسهم قادة 'الثورات' هم بالمواصفات ونقاء الذمة التي تؤهلهم لتوجيهها الوجهة الأسلم والأقدر على تحقيق مكتسبات جوهرية، والأهم من ذلك الحفاظ عليها وتعزيزها، ولنا عبرة حية في مواصفات قادة التمرد-الانقلاب بليبيا والذي يجري كما أسلفت بموازاة مع ثورة شعبية لا يمكن أن تكون مزيفة، هؤلاء لا يختلفون البتة عن عرائس الدبابات المنصبين على أطلال العراق، لأنهم لا يمانعون بدخول ليبيا فاتحين ممتطين نفس دبابات الناتو، ليُنَصًّبوا هم أيضا على أطلال ليبيا، لكن ليس قبل أن يراق على جوانب 'نصرهم' الدمُ، الكثير من الدم، 'المزيد من الدم' كما صرح بالجزيرة أحد ثوار الخمسة نجوم الليبيين، واثقا منبسط الأسارير كما لو كان يتحدث عن حزمة حطب يجب إضافتها إلى الفرن 'الثوري' هو الذي لم يتجاوز عقده الثالث، وكأنه اختير قصدا ليضفي ذلك المظهر الشبابي على التمرد المدعوم من قوى مشبوهة في انتظار أن ينجز المهمة شباب لم يتعلموا كيف يرطنون بلغة شكسبير ولا كيف يجالسون علية الغرب والشرق بالفنادق المصنفة والاستديوهات المكيفة ليشاطروهم 'قلقهم البالغ' على ليبيا والليبيين. أولئك هم 'ثوار الاحتياط' ، ليس بمعنى الاحتياطيين وإنما بمعنى المحتاطين من رصاص الثورة الطائش، الذين يبدلون باستمرار أماكن إقامتهم بعواصم الغرب وغرف نومهم بأفخم الفنادق بما تتطلبه إقامتهم من أموال باهظة يفترض أنهم لا يملكونها لأنهم جميعهم إما في وضعية لاجئين ' بسطاء' لدى دول تحارب الهجرة وتقنن اللجوء السياسي أو في وضعية منشقين 'نزهاء' لم يشاركوا القذافي وجماعته وليمتهم المسمومة من مقدرات الشعب الليبي لعقود، فمن أين لهم ما يغطي كل مصاريف 'معارضتهم' الفاخرة اللاسلكية؟ وما سر هذا الكرم المفاجئ والمساعدات المادية والديبلوماسية والمادية في ظرفية تضطر الغرب إلى تقليص ميزانياته وتحجيم مصاريف قادته وملوكه؟ وكيف لديبلوماسيين منهم من عمل بأروقة الأمم المتحدة وقياديين 'ثوريين' بارزين 'يعرفون جيدا من هو ليفي' أن يجهلوا أن الغرب لا 'يساعد' المعارضين لسواد عيونهم؟ وإذا لم يكونوا يمسكون زمام ثورتهم كما كتب أحدهم بالقدس العربي: 'لسنا في وضعية من يختارون من يساعدهم 'فلماذا يسمون أنفسهم ثوارا ويغضبون من مجرد تسميتهم بالمتمردين ؟
ومع أن العديد من السياسيين والمثقفين العرب كانوا لطفاء مع 'القياديين الحاليين' لما يحصل بليبيا، فإن ما يجدر أن يُصدح به هو أنهم انقلابيون بكل معنى الكلمة، صحيح أنهم انقلبوا ضد طاغية قل نظيره، لكنهم انقلابيون على كل حال، بل إنهم يشاركون في تنفيذ أحد أكبر الانقلابات في التاريخ سواء من حيث المدة الزمنية التي استغرقها وما زال أو من حيث تكاليفه البشرية والمادية وحتى العسكرية والاستراتيجية، فحكام ليبيا الجدد المرتقبون، وكما يعترفون هم أنفسهم، ليسوا في وضع يسمح لهم باختيار تحالفاتهم الراهنة أو المستقبلية، كما أن ليبيا 'المهابة الجانب' عسكريا وذات الوزن الاستراتيجي بالمنطقة لن يعود لها وجود بعد أن تفكك جيشها وصارت مقاره ومستودعات أسلحته مشرعة للعموم. لا أجادل طبعا في أنه لم يكن ممكنا تنفيذ انقلاب عسكري 'تقليدي' ضد القذافي على شاكلة انقلابات جمهوريات الموز والاستيلاء على 'باب العزيزية' ومقر الإذاعة والتلفزة إلى غيرها من العمليات الاعتيادية، لذلك كانت ليبيا بطولها وعرضها مسرحا لأحداث الانقلاب، وحلت قنوات العرب والعجم محل الإذاعة التي عادة ما يسيطر عليها الانقلابيون، وتحول البيان رقم واحد إلى مئات البيانات يبثها انقلابيون 'حليقون وأنيقون بشكل!'، هؤلاء سبق أن أعلنوا نواياهم بالتحالف مع الشيطان بل أكثر منه مع ليفي 'العرب' للإطاحة بنظام القذافي، فقد سبق لأحدهم وهو عضو سابق في المحكمة الدولية أن صرح في برنامج الاتجاه المعاكس منذ سنة ونصف تقريبا أنه 'لا يمانع أبدا في دخول ليبيا على ظهر دبابة غربية'، بما يعنيه ذلك من تقتيل بليبيا ودكّ لمعالمها ومنشآتها، وهاهو اليوم يوفي بنذيره المشؤوم كأحد أبرز قادة الدبابات ..عفوا كأحد أبرز قادة الثوار، وكنت أظنه مانِعتُه من أن يفعلَ شهامتُه العربية المفترضة أو انتسابُه إلى بلد عمر المختار، لكنه فعل هو وصحبه. عجبت يومها كثيرا من ذلك التصريح بالنوايا وكتبت مقالا بالقدس العربي بعنوان 'يوم العجائب على قناة الجزيرة' خلُصْتُ فيه إلى أن عهد المعارضين الشرفاء قد انتهى، لذلك لست اليوم أعجب إلا من صمت العالم والعرب خصوصا، على ما تحيكه تلك الشرذمة، سواء ممن حُضّروا جيدا لهذه اللحظة في العلن وتحت إشراف علني أيضا لأحد أعتى الصهاينة، أو ممن انقلبوا على القذافي قبل نهاية 'مسرحيته' التاريخية الدامية بقليل وقد كانت لبعضهم أدوار رئيسية في استمرارها عقودا ، فهل يمكن لكره القذافي أن يعمي أبصار الجميع بهذا الشكل عمن يتأكد لنا يوما عن يوم أنهم مرتهنون للغرب وأخطر وأضرّ من القذافي؟ يقول كاتب فلسطيني في هذا الصدد: 'لا خلاف على أن التدخل الغربي في الثورة الليبية كان مشكلة كبيرة أزعجت الكثيرين، بل أدخلت الجماهير العربية فيما يشبه التناقض بين رفضها الحاسم للتدخلات الغربية وقناعتها بالعداء الأميركي والغربي للأمة، وبين عدائها للعقيد معمر القذافي وممارساته، وإيمانها بأنه رجل لم يعد يمُتُّ إلى العروبة أوالقومية بصلة، فاتصالاته الأخيرة مع الكيان الصهيوني دليل على ذلك، وقبل ذلك ما قدمه من مواقف سياسية وما بذله من ثروات بلاده من أجل الحفاظ على نظامه'.
شخصيا أرى أن من يقودون 'الثورة' حاليا على أعلى مستوى هم بالفعل أخطر من القذافي وأنهم سيكونون وبالا على الشعب الليبي، فعلاوة على ما سلف من مثالبهم، فهم أكثر ميلا إلى الارتهان للغرب والصهاينة عبر وسيطهم ليفي، كما أنهم على عكس معظم المعارضين العرب، لم يصنعوا لهم تاريخا نضاليا ولم يخوضوا أي شكل من أشكال مواجهة النظام قبل ثورة البسطاء، وقبل أن تستقدمهم طائرات الناتو وبوارجه، فلا أحد ممن خانوا القذافي سبق أن عارضه أو واجهه من الداخل، عندما كان يبدد ثروات الليبيين يمنة ويسرة لتدعيم نظامه، ولا حتى عندما سحق مئات الليبيين في تمرد سجن أبو سليم، وقد كانوا في مناصبهم العليا، ومنهم من كانوا على رأس الديبلوماسية الليبية أو ضمن قيادات الجيش أو بتمثيلية ليبيا بالأمم المتحدة وغيرهم كثر، ولا 'معلّبو' الخارج أنشأوا تنظيما سياسيا أو عسكريا للتصدي للقذافي بالداخل أو من الخارج، بل انتظروا جميعُهم أن يهب ثوار الداخل وأن تقلع طائرات أولياء النعمة، ليملؤوا الدنيا 'معارضةً' والأستوديوهاتِ صراخاً والمحافلَ عويلاً على مصير ليبيا والليبيين. ومع كل ما يشوب 'ثورتهم' المزعومة من 'اللاثورية'، فأنا أنصح الليبيين العاديين، أصحاب الثورة الحقيقيين، أن يختاروهم حين تضع الحرب أوزارها، إن خُيِّرُوا بينهم وبين نظام القذافي، طبعا إذا لم يجدوا عنهم بديلا أنظف وأقوم.


استسلم أنت محاصر! - عبد اللطيف البوزيدي

2012-08-01
صحيفة القدس العربي

مقالات أخرى للكاتب : سنة 2010 / سنة 2011
                                                                                                 ; خلافا لما تظنه غالبية الشعب السوري المضطهد من أن العرب والأتراك وبقية العالم قد تخلوا عنهم، تشير الوقائع على الأرض أن ' أصدقاء سورية ' لم يكونوا مكتوفي الأيدي طوال ثمانية عشر شهرا من عمر الثورة السورية، وأنهم اضطروا، أمام طبائع الاسترزاق والبراغماتية المتوحشة الصينية والروسية، أن يسلكوا سبيلا آخرغير التدخل العسكري المباشر، أعني بذلك أنهم ينفذون منذ شهور مخططا مخابراتيا ليست سوى جزءٍ منه تلك العمليةُ النوعيةُ التي أدت إلى تفجير مقر الأمن المركزي وقتل العديد من أهم قيادات العمليات القمعية. 
لا شك أيضا أن الأشهر القليلة الماضية عرفت تدفقا للأسلحة من دول الجوار أو عبرها إلى الثوار السوريين، لأن انشقاق جنود بأسلحتهم الخفيفة وحتى الاستيلاء على بعض الأسلحة خلال المعارك لا يفسر لوحده كل هذا التقدم السريع والمفاجئ الذي يحرزه الجيش الحر على الأرض والذي بلغ حد الاستيلاء على أهم المعابر الحدودية وإعلان الزحف على حماة. 
ومهما يكن مصدر أو نوع الدعم الذي يتلقاه الثوار السوريون، فإن المؤكد أنهم يسيرون بخطى حثيثةٍ نحو كسر شوكة الطغاة ومَن وَالَاهُمْ من جيشٍ وشبيحةٍ. 
وإذا كانت وضعية النظام السوري سيئة على المستوى السياسي حيث بات يتعلق بقشة الفيتو المزدوج الروسي الصيني فإن وضعيته الميدانية على الأرض ليست أقل سوءا على ما يبدو، فما هي احتمالات تلقي النظام السوري دعما خارجيا (بالمقاتلين والأسلحة) من حلفائه غير المشروطين؟ وأي دور يمكن أن تلعبه دول الجوار في سقوط النظام أو بقائه؟
على مستوى الداخل السوري لا ملاذ للأسد إلا إلى طائفته التي تعتبر أقلية، وإن كانت تشكل عصب الدولة وقيادات الجيش نظرا لما حظيت به ( أو بالأحرى ما ورطها فيه آل الأسد) من تفضيل وتميز وحصانة وتمكين على مدى عقود دون باقي شرائح المجتمع السوري، ولا أعتقد أن استقدام النظام السوري مقاتلين من حزب الله أو من الحرس الثوري الإيراني مثلا يمكن أن يكون ذا فائدة تذكر، رغم ما قيل عن ضبط واحتجاز خلية لحزب الله أغلب أعضائها مسنون قد تنطبق عليهم صفة الاستشاريين أكثر من صفة المقاتلين، فحزب الله ومقاتلوه الذين لا ننكر ما قدموه من تضحيات في مواجهة العدو الأكبر إسرائيل، هم ' تخصص كمائن '، وبجبهة خبروها جيدا، وبالتالي فإن خبرتهم الثمينة لن تنفع جيشا نظاميا كجيش الأسد، أو بالأحرى لن تنفع من تبقى من 'رفقاء السلاح' الذين يبكيهم السيد نصر الله بكل حرقة، كما أن عناصر الحرس الثوري الإيراني رغم ما يقال عن تدريبهم المتطور وقدراتهم القتالية العالية لا يمكن أن يجازفوا وهم يجهلون طبيعة الأرض، خصوصا وأن ميدان العمليات القمعية قد اتسع ليشمل معظم مدن وأرياف سورية، مما صعب مهمة ما تبقى من جيش النظام وشبيحته أنفسهم، ناهيك عن أن المهمة لم تعد بالهينة وأن القتل لم يعد في اتجاه واحد كما كان طيلة الأشهر الأولى من عمر الثورة، بل صار القتل متبادلا وصرنا نسمع عن مقتل قيادات وشبيحة بالجملة مهما حاول النظام أن يخفي خسائره الميدانية، ويتبع نهجا إعلاميا يستميت في فبركة واقع مزيف يوحي بأن هناك مناطق تعيش حياة طبيعية وترفل في الطمأنينة والأمن. هذا عن إمكانية استعانة النظام السوري بمقاتلين أجانب، أما عن تزويده بالسلاح من مصادر خارجية فهو أمر مستبعد تماما، إذ إن الجيش السوري لم يكف أبدا عن التزود بانتظام بأحدث الأسلحة من حليفه الروسي فقد كان متورطا في المستنقع اللبناني، و كان في مواجهة 'مزعومة' أو لنقل في 'حرب باردة' مع الكيان الصهيوني، وبالتالي فجيش النظام لا تعوزه الأسلحة ولا الجرأة على استخدامها بوحشية ضد شعبه الأعزل، بل يحتاج إلى وقف نزيف الانشقاقات في صفوفه وهو أمر شبه مستحيل نظرا لما نسمعه عن حدة تسرب الشك إلى القيادات في ولاء وحدات من الجيش والاستناد إلى معايير طائفية في إسناد المهام القذرة التي يقوم بها جيش النظام ضد شعبه. ما يحتاجه النظام أيضا وبدرجة أكثر حدة ربما، هي مظلة سياسية تقيه اللجوء الدولي إلى قرار وفق البند السابع، أي بمعنى آخر يحتاج جيش النظام إلى رخصة قتل وقصف وتدمير مفتوحة الصلاحية وهو ما لن تستطيع روسيا والصين توفيره له إلى الأبد، أما إيران، الحليف الطائفي والأكثر 'موثوقية'، فيبدو أن دورها مؤجل إلى حين تعرض سورية لهجوم خارجي، وإن كنت أشك في 'موثوقية' إيران بالنسبة لحلفائها، فقد عودت العالم على استعراض العضلات منذ عقود، وعلى التدخل من وراء حجاب، ورأينا كيف أنها لم تحرك ساكنا حين كان حليفها في محنة وكانت إسرائيل تدك جنوب لبنان وتقتل آلاف المدنيين، بينما تفضل هي إلقاء مفرقعاتها وصواريخها في البحار والصحاري وترهيب دويلات الجوار. وعلى أي فالآن وقد اتجهت الأحداث صوب تفكيك النظام من الداخل فإن إيران لا تملك لحليفها الأسد شيئا.
أما عن الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الجوار في سقوط النظام أو بقائه فإذا استحضرنا استعداء النظام السوري لدولة جوار ذات وزن ونفوذ إقليمي مثل تركيا، من خلال تصريحات الأسد واتهاماته المباشرة ومن خلال إسقاط المقاتلة التركية، وكذلك السرعة التي أعلن بها العراق والأردن عن استنفار قواتهما على الحدود مع سورية وذهاب العراق حد الإعلان المتعجل عن سيطرة الكاملة للجيش الحر على كافة المعابر ، إذا استحضرنا كل ذلك نجد الأسد ونظامه، إضافة إلى التهديد الداخلي، محاطين خارجيا بدول هي إما معادية أو متحفظة أو مستنفرة . لا أستحضر إلا نظامين هما الكوبي والكوري الشمالي، استطاعا الصمود في مثل ظروف نظام الأسد، مع فارق جوهري هو أنهما لا يواجهان ثورة شعبية عارمة (أو ليس بعد )، لذا لا يسع إلا أن يقال للأسد: 'استسلم، أنت محاصر! ' أو حتى ' ماذا تنتظر؟ أن تلقى مصير القذافي؟'  عبد اللطيف البوزيدي -  كاتب مغربي                             تحميل المقال من الصحيفة   

مقال : العالَم موجود لنـَكْتُبَه (خليل النعيمي)


                       العالَم موجود لنـَكْتُبَه
                           خليل النعيمي
2012-06-09                      




جوهر الكتابة هو التعبير الشخصي عن أحوال الكائن والكون. لكن التعبير لا يكون معبِّراً، دائماً. لأن الكتابة سديم، رُكام، تراكم. تحتوي ما يستحق، وما لا يستحق. وهي من هذه الناحية تحتاج إلى عملية فَرْز موهوب من أجل النفاذ إلى غايتها. وهذه العملية لا يقوم بها الكاتب، فحسب، وإنما القاريء، أيضاً. ولكن أي قارىء لديه الصَبْر والقُدْرة، على فعل ذلك (إذا أسقطنا من حسابنا الكاتب ــ القارىء لما يكتبه)؟ ومَنْ هو القاريء الذي يستطيع، أو يجرؤ، أو يرغب، في أن يضع النص الروائيّ، أو بعضَه على الأقل، موضعَ شكّ، وإلْغاء؟
لا حدود لطاقة الكاتب على الإبداع والتخَيّل، ولا قيود عليها. وأنا أتصوّر أن القارىء يتمتّع بنفس الإمكانيات. والرأي المألوف حول خُمول القاريء العربي، وإمكانياته الإدراكية والمعرفية الضئيلة، لا سند له، ولا قيمة. إنه نوع من هروب الكُتّاب إلى الأمام، كما يُقال، من أجل ألاّ يكلِّفوا أنفسهم عناء كتابة نص جدير بالقراءة العميقة. فالقراءة، مثل أي نشاط إنسانيّ آخر، يمكن أن تكون سطحية، أو بسيطة، أو معقدة، أوعميقة. القراءة هي كتابة من نوع آخر. ويخطيء مَنْ يعتقد أنها غير ذلك. وهو ما يدفعني لأن أقول: إنْ لم تعشْ حياة جديرة بالكتابة، فاكتبْ نصاً جديراً بالقراءة. وسيبدو الإعتراض السريع على هذا القول مقبولاً، بسبب خلل الصيغة الموجود في بنيته. ولكن، لا تنسوا أن المخيلة الإبداعية لا ضفافَ لطموحاتها.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن العمل المكتوبَ مقروءاً لا حدود لشروحاته، ولا قيود على تفاسيره. المخيلة القارِئة، وحدها، تكتشف إذا استطاعت، أو تبتدع إذا شاءت، أبعاده المستترة، أوتنشىء له أبعاداً أخرى جديدة. وهي تفعل ذلك، حتى عندما تعجز عن إدراكه، أوتستاء منه، وتهمله 'لأن عدمَ الفهم فهم آخر' (من رواية: لو وضعتم الشمس بين يدي). فلا يعادل طاقة كاتب مبدع، إلاّ مخيّلةُ قارىء أكثر إبداعاً.
'الحكاية فن الكذب' (من رواية: لو وضعتم الشمس بين يدي). ولكن ما هي الحقيقة في هذه الحال؟ هل هي الوضع الذي عرفناه، ولم يعد موجوداً، ونحن نكتبه؟ أم هي الحال النفسية، أو المفهومات الأخلاقية، أو التي كانت كذلك من قبل؟ أم هي كلُّ هذا الخليط الذي لا ماهية فعلية له، سوى اعتبارنا الذاتي المحض الذي لا يستند، هو الآخر، إلى أية حقيقة؟ و'الحقائق، كما يقول نيتشه، ليست إلا أوهاماً نسي المرء أنها كانت كذلك، ذات يوم'! هذه هي الحقيقة الوحيدة في الوجود، فلماذ نختلق لأنفسنا المثبِّطات؟
من نقطة إلى أخرى نكتشف أن جوهرَ الكتابةِ هو نفسه جوهرُ الحياة. أي أنه غير محدد، ولا محدود، حتى عندما نضع لأنفسنا حدوداً 'حديدية'. إنه إنبثاق مريب، وعميق. لا متوقَّع، ولا يمكن السيطرة عليه. من نقطة الرؤية، هذه، نحن ننفجر عندما نكتب، مثل بركان تحت ضغط عنيف.
حتى المقولات الفلسفية الصريحة تغدو سرداً روائياً عندما نكتبها. لكنها لا تؤدي، بالضرورة، المغزى الذي من أجله كتبناها، ولا تعود تُحيل إلى المعنى الفلسفي القديم، نفسه، أقصد معناها المألوف. تصير، في سياق النص الروائي، شيئاً آخر. وهنا تتجلّى قدرة الكتابة الروائية على خلق مناخات فكرية جديدة، وعلى إبداع أبعاد نظرية لا حدود لها (تذكروا: رواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هسه، مثلاً). ومهما يكن الأمر، فنحن لا ندرك خفايا النص الذي نكتبه، ولا احتمالاته اللانهائية قبل أن يكتمل. وأحياناً، حتى بعد ذلك.
هَوَس الكتابة، إذن، يناقِض بعمق بلادة القراءة. 'أشياء' الكتابة الحميمية لا يمكن الإلمام بها بشكل متسرّع، ولا بتسطيحها بطريقة مغرضة. إنها تتطلَّب خطة قراءة جادة في تناولها، وكشف نواياها. وأياً كانت الحال، فإن إدراك روعتها (إن كان لها حظ منها) لا يقوم على المعرفة فحسب، وإنما على المتعة، أيضاً.
متعةٌ القراءة، وحدها، تبرِّر جهدَ الكتابة.
الكاتب كائن ملحميّ. لكن ملحمته، وأكاد أقول: السرية، تختلف كثيراً عن الملاحم الأسطورية المعروفة. ساحاتها تقع في نفسه. ومعاركها تدور في داخله. جيوشه الكلمات. وأسلحته الأفكار. مناصروه، ومناوِئوه، هم 'هو'، ذاته. وهذه الــ'هو' عديدة، ومتباينة، ولا نهائية. إنها التاريخ الإنسانيّ برمته. ملحمته، إذن، تختلف عن ملاحم الآخرين. لأن أسطورة الوجود متفَرِّدة، وليست عمومية. تحدث في أعماق الكائن. ولا خلاص له منها إلاّ بإبداعها وإعطائها بنية متماسكة. فالعالَم ليس شكلاً... فقط.
هدفُ الكاتب ليس تبيان أخطاء الآخرين، ولا التنبّؤ بما يمكن ألآّ يحدث، أو بما سيحدث عفواً لأن أسبابه اكتملتْ، وإنما تعميقُ وعيه النقدي، ومحاولةُ الوصول إلى أبعد ما يمكن في كشف أسرار الحياة. موضوع الكتابة لا يتعلّق بالخطأ والصواب، إذن، وإنما بطاقة الإبداع على سَبْر أغوارالكائن اللامحدودة. نحن لا نكتب إلاّ بدافع الرغبة في التعبير عن وجودنا المختلف عن وجودهم. ولا يهمُّنا إلاّ ما تحمله هذه الرغبة من متعة وإنسانية. وفي هذا الشأن 'نحن لسنا موضوعيين، أبداً' (من رواية: لو وضعتم الشمس بين يدي). ولا نخاف من الخطأ. 'فللخطأ دوره التاريخيّ، كما للصواب... دوره' (من رواية الخُلَعاء). ودورنا نحن هو أن نضع كل طاقتنا الإبداعية في خدمة الإنسانية.
الكتابة كالحياة فيها شيء كثير من الطفولة. لكن 'طُفولة الشيء، تناقض وعي الحياة'. وإلى هذه العتَبَة، من عَتَبَات 'الوعي المتنامي'، يبدأ الكاتب الموهوب بالإنحياز تدريجياً. وإذا بدَتْ كتابته عفوية، فهي عفوية مُفَكَّر بها، وإلاّ صارت تقليداً مبتذلاً. ولا ننسى أن الحياة تحشو الكائن بالتقليد منذ الطفولة. فهو، في البدء، يتعلَّم بتقليده للآخرين. وفيما بعد، لا مجال لحساب الجهد العملاق الذي تقتضيه منه عملية التخلّص مما تعلَّمه تقليدياً. وقد يستمر طيلة حياته كذلك، أقصد مقلِّداً للآخرين، إنْ لَم 'يحقق ثورته الشخصية'.
الكتابة ليستْ مُلْكَ الكاتب الذي ينجزها. إنها مُلّكُ اللغة التي تُكْتَبُ بها. واللغة ليست أحرفاً وكلمات، إنها حضارة. وهو مايشير إلى موقع الكتابة المميز في الوجود. ويتطلَّب، بالتالي، من الكاتب كَنْسَ كل ما تعلَّمه عندما يكتب، وتأسيسَ فضاء ثقافيّ شخصيّ له يدلّ عليه منذ أول سطر نقرؤه. فالكاتب المبدع هو التاريخ وقد تجسَّد في كلمات.
نعيش شيئاً، ونكتب شيئاً آخر. وما نكتبه لا يخصنا أكثر مما يخصنا الهواء الذي نستنشقه. يتصور الكاتب خطأ أن كتابته تحكي عنه. لكن الكتابة تحكي عن أحد آخر. عن أحد لا يعرفه الكاتب إلاّ من خلال الوصف. إنه كائن مختلف عنه، ومختلق في بنيته، ولا يعني شيئاً لأحد سوى للقاريء النبيه.
أحياناً، أسأل نفسي: لماذا لا أعرف كيف أحكي؟ والجواب يبدو بسيطاً: أنا كاتب، ولستُ حَكّاءً. ومن هذه الزواية: الكتابة تخصيص لا تعميم. أُكتُبْ عن نفسكَ، ثم أكتب عنها من جديد، قد تصل، ذات يوم، إلى العتبة الأساسية من عتبات الوجود، تلك التي تنكشف لك فيها أهواؤك العظمى. وتَتَبَدّى لكَ مرائي نفسك في حقيقتها المخيفة. لاشيء في الوجود يعادل الكتابة، حتى الحياة التي نكتب عنها.
الكتابة ليست مجرد لغة، وليست واقعاً، أيضاً. ولا تعكس، بالضرورة المفاهيم التي تتخللها، ولا الواقع الذي تحاول التعبير عنه. 'الواقع الحقيقي' للأوضاع والأحداث مختلف تماماً عن و'اقع الكتابة اللغويّ'. ومع أن الكتابة إنتاج لهذا الواقع، إلاّ أنها ليست مرآة صادقة له. ومن هذه النقطة، بالذات، تبنع أهمية ُ الكتابة، وخطورتُها، وقدرتُها على التغيير.
يلزمنا الكثير كي نتعلَّم 'فنّ الكتابة'. المعرفة شيء، والكتابة شيء آخر. وهو ما يثير، في الواقع، مسألة القراءة وأهميتها. حتى أنني صرتُ أتمنى لو كنتُ قارئاً، فقط. ولكن، هل يقرأ مَنْ لا يكتب؟ وإنْ قرأ، وهو الأمر الغالب، هل سيدرك طاقة الكلمات على تغيير العالَم؟
الكتابة نشاط إنسانيّ مادته الحياة. ولذلك فهي لا قواعد لها، ولا تتحَمَّل القيود. إنها كَشْف مستمر. وهي لا تستوي لا باللعب، ولا بالتجريد. لأن التجريد الذي لا يتضمّن واقعاً لا قيمة إبداعية له. وبين هذه وتلك، نحن بحاجة إلى برهة، إلى وقت، إلى تأمُّل من أجل أن نصل إلى الأساسيّ في حياتنا. والكتابة، بطبيعتها، تمنحنا هذا الإحساس بالتأمُّل البطىء الذي ينضج مشاعرنا، ويجعلنا نتنَفَّسُ بهدوء بدل اللهاث اللامجدي الذي يسيطر على حياتنا اليومية.
لا يجوز أن يتنازل الكاتب عن وعيه الأقصى، عندما يكتب، بحجة أن القاريء 'العادي' قد لا يدرك، أو لا يفهم، أو لا يتفاعل، مع كتابته. فكما أننا نرفض مفهوم الكاتب العاديّ، كذلك نرفض مفهوم القارىء العاديّ، أيضاً، وبالخصوص عندما يكون وجوده افتراضيّاً. القاريء الحقيقي (مثل كاتب حقيقي) يفهم دائماً ما يقرأ، حتى عندما لا يفهمه 'بشكل مباشر'. للفهم، كما للجهل، عَتَبات. و'النص الصعب' هو الذي يطرح على قارئه أسئلة لم يكن يتوقعها. وبالتالي يحرِّضه على 'ملاحقة' هذه الأسئلة، حتى ولو لَمْ يكنْ مضطراً للإجابة عنها، أمام أحد آخر. لأنه سيكون مدفوعاً، فيما بعد، للإجابة عليها إزاء نفسه، مهما حاول التلاعب والمراغة. وهي العتبة الأولى من عتبات التحوُّل عنده.
في الكتابة الحقيقية (اللا مساوِمَة) يكون الكائن وفيّاً لنفسه، أقصد للغته. والكاتب الأصيل لا يتنازل، لا لأحد، ولا لشيء عندما يكتب. أما 'الكَتَبَة'، حسب مفهوم 'جيلْ دولوزْ' (الفيلسوف الفرنسي المتميّز) فهم، كما يقول: 'المستعمِرون للكتابة، أو المستعمِلون لها، بغرض الشهرة، أو المال، أو الفائدة، أو....'. وهم، من هذا المنظور، خارج نطاق اهتمامنا.
في الكتابة، أي شيء، أو أي أمر، يمكن أن نجعل منه مأساة، أو نحوَِّله إلى مهزلة، بما في ذلك ' تاريخنا الشخصيّ'. وهنا تتجلّى خطورة 'الخطاب الروائيّ'. فالكتابة، والرواية مثلاً، 'كائن لغويّ' بالمعنى الإيجابي للكلمة، ومن منظور نقديّ عميق لها، أيضاً. و'لغة المرء، كما يقول 'كلود هَجَّيجْ'، عالم اللغات الشهير، هي تصوُّره الشخصيّ للعالَم. هي تاريخه، وتطلُّعاته. هي هو'. ومع ذلك فالكاتب شيء، والكتابة شيء آخر (كما ذكر من قبل، ولا بأس أن نذكره من جديد). وهو ما يدعو الكاتب لكي يضع جهده الأكبر في كتابته لتقترب أكثر ما يمكن منه، من حقيقة أحواله وأفكاره. فالحياة التي لا تُكْتَب لا تعاش.
'المخيلة النقدية' هي التي تقتضي خروج الكاتب، والروائي بالدرجة الأولى، من قوقعة النسق المعرفي المألوف. وتدفعه، بالتالي،إلى تجاوز تعاطفه الساذج واللامشروط مع تقاليد محيطه. حجة الإنتساب 'الجينيّ' إلى هذا المجتمع، أو هذا المحيط، لا تعود تكفي لتبرير إنضوائه، ولا استيعابه من قبل مؤسسات مجتمعه ذات التأثير الصارخ على الفرد، وبخاصة ذاك الذي لم يَعِ دوره التاريخيّ، بعد . فالكاتب، والروائي أولاً، منشقّ بوعي عن الآخرين. وأكاد أقول إنه منشقّ بلا تنازلات عن مجتمعه، ولكن من أجل تحسينه، لا من أجل تدجينه. إنه كائن كونيّ، لكن مجال عمله هو محيطه الخاص. إنه يكتب بوعيه الكوني عما يعيشه. وهو نقيض الكاتب المدجَّن، أو المستوعَب، الذي يكتب، أو يتنَطَّح بالأحرى لمشاكل الكون الذي لم يَعِشْها، بوعيه الساذج، وفكره البسيط.
نزع القدسيّة عن المبتذل، والتافه، والعاديّ، من الأمور، يغدو، في هذه الحال، إحدى مهمات الرواية العربية المعاصرة. وبعبار أُخرى، نزع القدسية عن اللامقدس الذي احتَلَّ، عمليّاً، مكان 'المقدَّسات الأساسية' في الثقافة، وفي الحياةالعربية، والْتَهَمَ، بتَمَدُّده هذا، طاقتنا على الإبداع والتغيير، هو المعْنيّ بالجهد الروائي الكاسح للسكون. فهذا'المبتذل' الذي سادَ بحكم التقاليد والبلادة، صار، اليوم، يجثم على عقولنا (فالروائي لا قلب له) مثل تَلّ من التراب. يمنعنا من أن نعيش حياتنا كما نحب، بعد أن دمَّر طزاجة الوجود.
وفي النهاية، أحس أن هذه التأمّلات السريعة حول الكتابة تبعدني عن كل شيء. عن الواقع، وعن الإبداع، وعن نفسي. ولكن لا بد منها.

محاضرة في النادي الثقافي بمسقط،بدعوة من جمعية الكتاب والأدباء في عُمان

المدرسة مستقبل الوطن الحر



مالك التريكي
2012-05-19

درس آخر يجدر أن يضاف إلى الدروس التي عددتها 'القدس العربي' قبل أيام ونصحت القادة العرب بأن يستخلصوها من طريقة تسليم السلطة في فرنسا. إنه درس احترام العلم والاهتمام بالتعليم.
ذلك أن 'الولاية الرئاسية الجديدة في فرنسا قد بدأت بالمدرسة'. هكذا علقت بعض الصحف على اختيار فرانسوا هولاند بدء اليوم الأول من رئاسته بتوجيه تحيتي تكريم إلى شخصيتين تاريخيتين لهما علاقة بالعلم والتعليم. الشخصية الأولى هو السياسي جول فرّي الذي يرجع له الفضل في إرساء نظام التعليم العلماني المجاني والإلزامي الذي لا يزال قائما في فرنسا منذ أواخر القرن التاسع عشر. أما الشخصية الثانية، فهي العالمة الشهيرة البولندية الأصل ماري كوري التي فازت أوائل القرن العشرين بجائزة نوبل مرتين، أولا في الفيزياء ثم في الكيمياء. ولم يترك هولاند مجالا للشك في عزمه على 'بدء الرئاسة بالمدرسة' عندما قال أثناء الخطاب الذي ألقاه أمام تمثال جول فري في حديقة توليري إنه أراد أن تكون 'أولى كلماته رئيسا للجمهورية' موجهة 'إلى معلمي المدارس، وأساتذة المعاهد الثانوية، والجامعيين والباحثين، بل وإلى جميع موظفي التعليم من أبسطهم إلى أعظمهم درجة'.
وقد تأكدت جدية التزام هولاند بجعل التعليم قضية مركزية في برنامجه السياسي بتعيينه أستاذ الفلسفة فنسان بيون وزيرا للتعليم. وكان هولاند قد دأب أثناء الحملة الانتخابية على التركيز على قضية التعليم وعلى خصوصيتها في التجربة الديمقراطية الفرنسية. حيث كان مما قاله قبل شهرين أن الطابع الجمهوري لفرنسا قد جعلها 'متعلقة أميز التعلق وأقواه بمدرستها'. وليس هذا إلا 'نتيجة لتاريخ طويل وجميل... ذلك أن الحرية الإنسانية، وانعتاق الفرد، وإقامة الديمقراطية، كل ذلك يقتضي تربية، وتعلّما، وثقافة ومعارف'، فضلا عن أنه يقتضي جهدا و'كفاحا'.
ويجوز القول إن المدرسة تختزل جوهر أزمة النموذج الديمقراطي الفرنسي. حيث تعصف بقطاع التعليم منذ حوالي عقدين على الأقل أزمة خطيرة يمثل ارتفاع نسب الإخفاق المدرسي أبرز مظاهرها. وليس هذا الإخفاق المدرسي إخفاقا للتلاميذ والطلاب فحسب، بل هو إخفاق للجمهورية حسب مفهومها الفرنسي لأنه نقض وإبطال للفكرة الأساسية التي قامت عليها مدرسة جول فري: أي فكرة تنشئة المواطن الصالح الناجح عن طريق صهر جميع الأطفال في بوتقة التربية العمومية المركزية ذات المناهج والمقررات الموحدة، حيث أن ما يتعلمه الطفل في أرقى أحياء باريس هو بالضبط ما يتعلمه الطفل في أنأى الأرياف (بل وهو بالضبط ما كان يتعلمه الأطفال في المستعمرات، بما فيها بلاد المغرب العربي).
وإذا كان المغزى من تكريم ماري كوري إجماعيا: فهو تكريم للمرأة وللمهاجرين، فضلا عن أنه احتفاء بالبحث العلمي، فإن تكريم جول فري قد أثار جدلا. ذلك أن هذا السياسي، الذي تولى مناصب التعليم والخارجية ورئاسة الوزراء أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن مؤسس نظام التعليم العلماني الذي تفخر به فرنسا وأحد أهم زعماء الجمهورية الثالثة فحسب، بل إنه كان أيضا أبرز غلاة الاستعماريين. إذ إنه هو الذي فرض نظام 'الحماية' الاستعماري على تونس وعلى ما يعرف اليوم بفيتنام، وعمل على توسيع الانتشار الاستعماري الفرنسي في إفريقيا. كما أنه صاحب المقولة الشهيرة في التنظير للاستعمار، أي أن 'على الأعراق المتفوقة واجب تمدين الأعراق الدنيا' - وهي المقولة التي تعرف بـ'المهمة التمدينية' أو 'الرسالة الحضارية'. لهذا عمد هولاند إلى التوضيح بأنه يدرك'ضلالات جول فري السياسية' ويدين حماسته للاستعمار بحسبانها 'خطأ أخلاقيا وسياسيا'، وشرح أنه إنما قصد أن يكرّم فيه رجل التشريع الذي أسس 'هذا البيت المشترك الذي هو مدرسة الجمهورية'. والواقع أن هولاند لم يخطىء اختيار الرمز. ذلك أن اسم جول فري هو مرادف، لدى عموم الفرنسيين، لنظام التعليم العلماني. ولذلك لا تزال المدارس باسمه تعدّ بالمئات.
أما الدرس المقصود بالنسبة لنا نحن العرب فهو أن لا نجاة، بل لا حياة، لنا إلا إذا طلقنا ثقافة الاستهلاك والاستسهال، ووضعنا العلم والتعليم على قمة سلم قيمنا الاجتماعية. ذلك هو الدرس: إذا كانت 'المرأة هي مستقبل الرجل'، مثلما يقول الشاعر لوي أراغون، فإن المدرسة هي مستقبل الوطن الحر. المدرسة هي مختبر الوطنية ومستقبل الديمقراطية.

قطار الإصلاح يبدأ بعربة التعليم

2012-04-16


 القدس العربي

منصور محمد هزايمة - التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية الذي صدرعن مؤسسة دار الفكر العربي يستحق أن يقرأ مرة ومرتين وأكثر، خاصة من أصحاب الشأن حيث استعرض واقع الثقافة العربية عند العرب ورصد بدقة أهم تحديات هذه الثقافة وحلل بصورة مثيرة للاهتمام محاورها الأساسية وزاد من أهمية هذا التقرير عما سبقه أنه ربما قدم تفسيرا علميا لزلزال الربيع العربي الذي اذهل العالم بعيدا عن التحليلات السطحية المرتبطة غالبا بالأهواء السياسية او النفاق لهذا النظام او ذاك وكان محور التعليم خاصة الجامعي منه قد حضي بتغطية كبيرة واظهرت واقعه المؤلم نسبة الى عدة قضايا مثل الاستقلالية والتمويل والادارة والبحث العلمي ومدخلاته ومخرجاته.
في الواقع ما جعلني أعود للكتابة عن هذا الحدث بعد أشهر هو أنني لم اقرأه وقت صدوره علما بانني تابعت التقارير التي صدرت عن هذه المؤسسة في السنوات السابقة وما أعرفه عنها من مصداقية البحث واستقلالية الفكر وحيادية الطرح واثار اهتمامي واعجابي دقة وموضوعية البحوث التي صدرت بحق كل محور من المحاور التي يعالجها التقرير وهذا يبرز لدينا مؤسسات وباحثين ومفكرين يمكن لهم ان يقدموا تشخيصا دقيقا ورؤى صادقة بل ويقترحوا حلولا مبتكرة اذا حظيوا باستقلالية مناسبة بعيداً عن الاستبداد السياسي أو المؤسسي باعتبارها تقدم استشرافا لمستقبل العرب من خلال نظرة حيادية لا تحابي احدا اوتنافق مستبدا.
ما جاء في التقرير عن التعليم كان صادقا وصادما في حقيقته فطالب المدرسة في بلادنا يكلف 120 دولارا مقابل 750 في الغرب أما الطالب الجامعي في عدد من اقطارنا مثل الاردن ومصر وسورية فيكلف 800 دولار مقابل 10000 دولار في اسرائيل و22000 دولار في امريكا اما بالنسبة للمرتبات والأجور فالجهاز الإداري الضخم والمترهل يمتص ما يقارب ثلثي ميزانية الجامعة والانفاق على البحث العلمي ليس ذا قيمة والجامعات لا تتمتع باستقلالية وتدار من الخارج والمخرجات هابطة المستوى لا يمكنها أن تنافس إقليميا أو عالميا.
إن الاختلال الرهيب بين كم ونوع المخرجات لدينا مع حاجة سوق العمل راكم لدينا أصحاب شهادات لا أهل ثقافة أو أصحاب كفاءات وأن تنامي قطاع التعليم الخاص وتفشي الجامعات الخاصة التي تهدف الى الربح المادي جعل مخرجات التعليم تتدهور سنة بعد اخرى وصولا الى تراكم جيوش العاطلين عن العمل.
من هنا سعى كثير من هؤلاء الذين لا يجدون فرصتهم في العمل الى العودة مرة اخرى الى الجامعات للحصول على مؤهلات ودرجات علمية اعلى لكن ليس الدافع الان هو البحث العلمي والرغبة الجامحة في المساهمة في اجتراح الحلول لقضايا مجتمعهم بقدر ماكان ذلك هروبا من واقعهم وأشبه مايكون ببطالة مقنعة.
النجاح صار غوغائيا وهدف الجامعة مادي أما هدف الطالب فرصة عمل فإن لم يجد فلا بأس أن يلوذ بالجامعة مرة اخرى ليحصل على الشهادة الثالثة وربما الرابعة وأعداد الطلاب في الدراسات الانسانية اضعافه في الكليات العلمية وكل هذا أدى إلى اختلالات في التعليم أدى بدوره الى اختلالات في سوق العمل فوجدت جيوش العاطلين في شبكات التواصل فرصتها ليعبروا عن أفكارهم وإبداعاتهم وضيقهم بأنظمة الاستبداد المتخلفة فيصب كل ذلك في ميادين وساحات التحرير في مدننا وعواصمنا فتشتعل الثورات وتطير كراسي توهمنا يوما أنها اثبت من رواسي الجبال.
ولو عدنا قليلا الى الوراء لعقد واحد فقط من الزمن الى قرية من قرانا لوجدنا أن حملة درجة الدكتوراه لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة اما اليوم فان عددهم ربما تضاعف عشرات المرات لكن دون ان يكون هناك أي أثر ايجابي لتراكم هذه الشهادات أو افتراض انهم ساهموا في زيادة او تغيير نمط التنمية في محيطهم لان الهدف الاساسي انتفى من وراء الحصول على الشهادة.
وعلى الرغم من أن جامعتنا تزدحم بالدارسين الا أن الواقع الثقافي وواقع البحث العلمي وواقع اللغة العربية لا يرضي أحدا ولا يبشر بخير ولا يمكن احداث تغيير الا باجتراح حلول خلاقة و اتخاذ قرارات جريئة وأهم من هذا كله أن يبتعد التعليم لدينا عن أجهزة الاستبداد السياسي والمؤسسي التي تخشى الإبداع وتعاديه.
لقد اخترت محور التعليم بين المحاور الاخرى للحديث عنه لأن التنمية الحقيقية والمستدامة لا سيما الاقتصادية منها ترتكز على هذا المحور فواقع التعليم لدينا في جميع مراحله مرعب حقا وإذا بقي الخلل في مدخلاته ومخرجاته وعملياته مع تناقض صارخ مع متطلبات سوق العمل فهذا يعني ان امتنا ستبقى تراوح مكانها بين استبداد قاتل او فوضى مرعبة.
منصور محمد هزايمة
الدوحة - قطر

نقد النفس العربية: في أسباب التمسك بالسلطة




خلافا لما تم بذله من جهود فكرية لدراسة 'العقل العربي' ونقده من قبل فلاسفة ومفكرين عرب لم يكن المرحوم محمد عابد الجابري أولهم وإن كان أشهرهم، لم تحظ 'النفس العربية' من جهتها بما يلزم من الدراسات السيكولوجية، مع أن الحاجة في الوطن العربي إلى هذا النوع من دراسة الجوانب النفسية والاجتماعية ذات الصلة بالموروث الثقافي في علاقته بواقع ومتغيرات العصر، باتت أكثر إلحاحا مع تنامي مسببات الاضطرابات النفسية والاجتماعية، وعلى رأسها العجز السياسي والاقتصادي والتنموي وما ينجم عنه من تنامي تجاوزات واعتقال وتعذيب وتضييق وتفشي بطالة وتعمق فوارق طبقية وتدني مستوى نظم وفساد مؤسسات، وما يخلفه كل ذلك من قلق وتذمر وإحباط وما يؤدي إليه من انحرافات سلوكية وأزمات نفسية، تتمظهر على أرض الواقع بانتشار ظواهر ملحوظة الذيوع والتفشي، كالتفكك الأُسري والجريمة المنظمة وإدمان المخدرات والبغاء والشذوذ لدى الجنسين، وأطفال الشوارع والحمقى المشردين، وغيرها من تمظهرات ليست في المحصلة إلا أعراضا لأمراض نفسية تنخر المجتمعات العربية بنسب مهولة وفوق المعدلات الطبيعية بكثير.
ورغم ندرة الدراسات والإحصائيات في هذا المجال فإن منها ما يؤكد مثلا أن أكثر من نصف العرب يعانون من الاكتئاب على أقل تقدير، كما أن من الدراسات ما يشير إلى ارتفاع معدلات العجز الجنسي لدى العرب بعد كل هزيمة أو نكبة جديدة، علما بأن ما يزيد من خطورة الأمراض النفسية والعصبية على النسيج الاجتماعي، أمران أحلاهما مرّ: 1. أن الأمراض النفسية تبقى في الغالب من دون علاج لندرة المصحات النفسية العمومية أو تحولها إلى مراكز إيواء وتخدير، كما أن نسبة الأطباء والأخصائيين النفسيين متدنية جدا بالوطن العربي دون غيره من مناطق العالم، إذ يضطر معظمهم رغم قلة عددهم إلى الهجرة أو يتحولون إلى ممارسة السياسة أو التدريس أو مهن ووظائف أخرى.2. ان المرضى النفسيين غالبا ما يلجأون أو يصطحبهم ذووهم، إسلاميين وعلمانيين، محافظين و'حداثيين'، لزيارة 'الأولياء الصالحين' أو المشعوذين على اختلاف 'تخصصاتهم'، في مشاهدَ مضحكةٍ مبكية تُفاقِم حالةَ المريض، وتقلّل من إمكانية العلاج الإكلينيكي، فهذا يصارع الجنّ مصارعة 'حرّة' يعلم وحده أدواتِها وقواعدَها، فيثخن المريض رفسا ويوسعه ضربا، وحالات الوفيات بين أيدي 'أطباء الغفلة' هؤلاء متعددة ولا يكاد يستثنى منها بلد عربي، وذاك يعالج الصرع أو الإغماء بالخزعبلات والبصل والمفاتيح وكل ما خطر له على بال وهلم جرا. ومما يدل على انتشار الشعوذة والممارسات الجاهلية لدى العرب وشعوب أخرى متخلفة، أنهم رجالا ونساء وحسب إحصائيات منشورة، ينفقون الملايير لدى المنجمين والعرافين والدجالين، في مسائلَ زوجيةٍ وعلائقيةٍ أصلُ أغلبِها نفسيٌ ولا علاقة لها بالجن أو السحر أو العجائبية. إلا أن أغرب ما أستحضره حول استفحال الشعوذة والممارسات 'الماورائية' لدى العرب هو قصة ذلك الدجال الذي يبدو أنه اختفى كما ظهر فجأة منذ سنتين تقريبا بضواحي العاصمة المغربية، مدعيا أنه يوزع البركات والأرزاق، فتقاطر عليه المغفلون أو بالأحرى 'المرضى النفسيون' من كل الجهات والفئات، وصار حديث العام والخاص، وذكرت الصحف الوطنية أن من العلية ذوي أعلى المناصب من سارعوا سرا وعلنا إلى الاستفادة من بركاته.
إن ما يعانيه الفرد العربي نفسيا جراء تدهور الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة به ما يلبث على المدى البعيد أن ينعكس سلبا على دينامية المجتمع وتماسكه الداخلي، كما أنه ينعكس في المدى المنظور على ذوي المريض النفسي وأقربائه، ويكفي أن نسوق ثلاث حالات غريبة ومقلقة حدثت بمناطق مختلفة من الوطن العربي (مصر والمغرب وفلسطين) جاءت متشابهة حد التطابق، لآباء أقدموا على حرق أبنائهم بصب الوقود وإضرام النار (في حالتين) أو الإلقاء مباشرة في نار متقدة (حالة واحدة) بسبب صراعات زوجية أو عائلية، وفي ما يسمى علميا 'عملية إسقاط' في أقصى وأقسى تجلياتها، إذ يكفي في هذه الحالات بالذات أن نلاحظ أن القتل لم يكن 'رحيما' أو سريعا (بسكين أو أداة أو عيار ناري أو بالخنق) وإنما أُريدَ له أن يكون قاسيا وبطيئا، ليتحقق الغرض المتمثل في 'إشفاء الغليل' بإنزال أشد العقاب وأقساه، ذلك الغليل وذلك الحنق الذي سبّبه 'عصيان' الابن لأوامر مطلقة وإن كان صوابها محل نظر (الأمر بعدم المكوث طويلا لدى أقارب 'معادين' في إحدى الحالات، والأمر بعدم زيارة الأم المطلقة في الحالة الثانية، والشك في النسب في الحالة الثالثة)، فقد اقترف الأبناء الثلاثة ما لا يغتفر وما يستحق عقوبة قصوى تحاكي العقوبة الإلهية، في تمثّل غريب وخطير 'للسلطة الأبوية' على أنها مطلقة على غرار 'السلطة الإلهية'. منطق أخرق يحكم العلاقة بين الآباء (والأمهات) وأبنائهم في نسبة هائلة من الأسر العربية والإسلامية، منطق لا يقبل الجدال في أن الأب 'خليفة الإله' في ابنه، روحه وجسده، ما دام قد 'أنعم عليه' بالحياة، وبالتالي فمن حق الأب (والأم والمعلم والمعلمة أيضا) أن يكون 'شديد العقاب'، وقد يتنازل ويكون 'غفورا رحيما'، فالآباء 'القبضايات' الثلاثة حاولوا كلهم في آخر لحظة بعد أن 'وقع الفاس في الراس' بل بعد أن التهمت النيران الجلد واللحم الغض الطري 'لفلذة الكبد'، حاولوا أن يستبدلوا 'العذاب بالمغفرة' فعمد أحدهم إلى انتشال ضحيته من النار، وأعلن الثاني ندمه الشديد وطلب الثالث لضحيته الإسعاف بعد انتزاع وعد بعدم الإبلاغ.
إنه نفس 'تمثُّل السلطة الأبوية' الذي يسمح من دون رادع أو حسيب لنسبة كبيرة من الآباء والأمهات العرب 'بممارسة أنانيتهم ولا مسؤوليتهم وسفاهتهم على أبنائهم وبناتهم، وقد أوصى الإسلام بتجريد السفهاء من مسؤولية المال، فبالأحرى مسؤولية الأطفال، ومن أهم مظاهر أنانية ولا مسؤولية وسفاهة العديد من الآباء والأمهات يمكن أن نرصد: * ارتفاع أعداد قضايا النفقة بعد الطلاق أمام المحاكم. * الارتفاع المهول لأعداد أطفال الشوارع في العديد من العواصم والمدن العربية. * اختلال الإنفاق الأسري لصالح الأب والأم وكمالياتهما على حساب الأطفال، مما يخلف مفارقات غريبة كأن يملك الأب عقارات وسيارة فاخرة وتملك الأم مجوهرات وفساتين تكلف الملايين، بينما يعاني الأبناء من الحرمان وسوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية. * ظاهرة التهافت على امتلاك سكن أو ما يصفه البعض تعظيما 'قبر الحياة'، رغم قلة الإمكانات والاضطرار إلى طلب قرض ينهك ميزانية الأسرة ويتم تسديده على حساب الغذاء والكساء والتطبيب والتعليم وما إليها من مستلزمات العيش الكريم. * نزوع الأغنياء والموسرين العرب إلى الادخار غير المنتج وإلى الاستثمار في العقار والقيم غير المنقولة، شحا وتجنبا للمخاطر، مما يؤدي إلى الركود الاقتصادي ويحرم مواطنيهم وأقرب أقربيهم بمن فيهم أبناؤهم من فرص الشغل، ويحرم أبناءهم من التمتع بما رزق الله أباهم وإياهم أو ما رزقهم وإياه.
فهل بمثل هؤلاء الآباء والأمهات يمكن أن تسيَّر أسرٌ وتنهضَ أوطانٌ؟ وهل بأمثالهم وأمثال من تربّوا في أكنافهم يمكن أن تتكون نخبٌ ذاتُ عقول ونفوس سليمة في أجسام سليمة، تسيّر وتدبّر وتقود؟ أليس في التمسك الأسطوري للنخب والقادة العرب بالسلطة نسبةً ما من تلك السلطة الأبوية الجامحة والجانحة؟ أليس في الشطط في استعمال السلطة الأبوية (العليا والدنيا) تشخيصا لواقع أمرُّ ما فيه أنّنا صِرنا نحن العربَ أخطرُ على بعضنا البعض من كلّ أعدائنا مجتمعين؟ مجرّدُ أسئلة.
عبد اللطيف البوزيدي - كاتب مغربي - القدس العربي اللندنية

إلغاء بيداغوجيا الإدماج عبث الدولة في دولة العبث

إلغاء بيداغوجيا الإدماج عبث الدولة في دولة العبث
بسم الله الرحمن الرحيم
ارتجال واستعجال أو معادلة العبث:
كنا كتبنا منذ صدور البرنامج الاستعجالي أن تاريخ التعليم بالمغرب هو تاريخ الفشل بامتياز؛ لاعتبار أساسي هو أن أي إصلاح يصدر إلا ويتبعه آخر ينسخه وينفيه، وذلك لأن كل المخططات المزعومة الارتجال سمتها والاستعجال حاديها رؤية ومنهجية وبرامج وتقويما، مما يدخل المنظومة التربوية المغربية في عبث على كل المستويات، وهاهو القرار الأخير للدولة عبر وزارة تربيتها ،و القاضي بإلغاء العمل ببداغوجيا الإدماج ، يزيد تأكيد استمرارية طوابع العبث في تدبير قطاع هو الحياة أو الموت بالنسبة لأمة تريد الرقي والازدهار في عالم الانفجار العلمي والمعرفي عالم اقتصاد المادة الرمادية.
عبث المدخلات:
من الحلول التي غدت من استراتيجيات التدبير العام للمخزن المغربي، أنه كلما أراد القضاء على مزعجيه من الفاعلين في كافة ميادين الفعل السياسي والاجتماعي استجابة لمطالبهم في قضايا الشأن العام المختلفة ، قدم لهم رؤية من الرؤى(لا علاقة لها بالمبشرات)، أو أعد لهم لجنة من اللجان، أو معهدا من المعاهد، أو مؤسسة استشارية من المؤسسات التي تعتني بذلك الملف عبر إقباره شيئا فشيئا، أو عبر تدبيره من خلال الرؤية المخزنية ذاتها فيكون كما يقول المثل المغربي (ما قضى حاجة ولا خسر خاطرا) ،ومن ذلك ما فعله مع قضايا حقوق الإنسان والأسرة والتنمية والأمازيغية وغير ذلك.
وما كان للتعليم ليفلت من هذا الأمر، وقد كان عبر تاريخه المرير شأنا مخزنيا خالصا ، ولنتذكر السياق التاريخي لنشأة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث كان أعلن عن تشكيل اللجنة الملكية المختصة بالتعليم في غشت 1994، والتي ضمت عددا كبيرا من الشخصيات المشهود لها بالوطنية والعلم والكفاية فقدمت نتائجها في 1995 ورفضت نتائجها بسبب ما سمي بعقلية الستينات والتعريب والمجانية ، وتم الالتجاء عوض ذلك إلى طلب استشارة البنك الدولي الذي أصدر تقريره الذي كانت الدعوة إلى مراجعة مبدأ المجانية أهم بنوده ، فأعيد تشكيل لجنة أخرى زارت لحل معضلة التعليم في المغرب كل بلاد الدنيا إلا ذاك الذي يراد حل مشاكله، ووضعت ميثاق مزيان بلفقيه الذي صادق عليه الحسن الثاني رحمه الله في أكتوبر 1995 ،وتأتي سنة 2000 ليعلن العهد الجديد عن التعبئة الوطنية لتجديد المدرسة من خلال إعلان عشرية 2000-2010 عشرية وطنية للتربية والتكوين، وجعل قطاع التربية والتكوين أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية.
عبث السيرورة:
لم تكد العشرية المخصصة للتعليم تنتصف حتى صدرت تباعا عدة تقارير دولية تكشف عوار الميثاق وواضعي الميثاق، فرغم شعارات التعبئة الجماعية وطول النفس والحزم والرفع من الجودة وتحفيز الموارد البشرية وتعميم التعليم والحكامة والشراكة، كانت الحصيلة المرتبة 126 من أصل 177 دولة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، والرتبة ما قبل الأخيرة من تصنيف رائز pirls الخاص بتقويم التعلمات الأساسية من بين 45 دولة ، والرتبة 11 من بين 14 في تقرير البنك الدولي 2008 .
لم يعد بالإمكان حجب فضائح الفشل الذريع فانخرط المجلس الأعلى للتعليم في تأكيد النتائج ذاتها في تقريره عام 2008، وتم الإعداد لبرنامج استعجالي عرف بدايته في 2007 أكتوبر، ولم تستوي صيغه النهائية حتى أكتوبر 2009 بهدفين استارتيجيين هما: تثمين الإصلاح واستيعاب الدينامية الناتجة عنه، و الرفع من وتيرة استكمال الإصلاح وذلك من خلال أربعة مجالات أساسية تستهدف التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة ، وحفز روح المبادرة والتميز ، ومواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة، وتوفير وسائل النجاح.
وقد مثل المشروع E1.P8 الذي اهتم بتطوير العدة البيداغوجية أهم مشاريع البرنامج الاستعجال، وصنف " ضمن المشاريع الإستراتيجية للبرنامج الاستعجالي، ويرمي إلى تحقيق جودة التعلمات مع ضمان اكتساب المعارف والكفايات الأساسية، وذلك من خلال تحسين العدة البيداغوجية. وقد تم الاهتمام، خلال السنتين الأوليين من تنفيذ البرنامج الاستعجالي، بإرساء بيداغوجية الإدماج، باعتبارها الإطار المنهجي للتنفيذ العملي للمقاربة بالكفايات. وهكذا، عرفت بداية شتنبر 2010 في التعليم الابتدائي تعميم بيداغوجية الإدماج في جميع الأكاديميات الجهوية، بعد تجريب موسع في سنة 2009 . وقد تطلب هذا، على الخصوص، إعداد وتوزيع أدوات العمل، على جميع التلاميذ )دفاتر الوضعيات(، وعلى جميع المدرسين )دليل الإدماج(، وكذا تكوين مجموعة من الفاعلين : جميع مدرسي الابتدائي، وجميع المفتشين، وجميع مديري المدارس، وجميع مكوني مراكز تكوين المعلمين. كما تطلب ذلك إرساء جهاز للتتبع والمواكبة. ويتم، حاليا،التجريب الموسع لبيداغوجية الإدماج بالتعليم الثانوي الإعدادي"1.
والآن والبرنامج الاستعجالي على مشارف الانتهاء تطلع الوزارة بقرار مفاده إلغاء العمل بالمذكرة204 المنظمة لعملية التقويم في إطار بيداغوجية الإدماج بالإعدادي تسهيلا لعملية التقويم ، والاحتفاظ بها في التعليم الابتدائي على أساس إعطاء الصلاحية لمديري المؤسسات و الأساتذة من أجل اعتماد هذه البيداغوجية، وإرجاء العمل بها بالسلك الثانوي الإعدادي إلى حين وضع تقييم لنتائج تطبيقها بالابتدائي،وتوقيف جميع عمليات التكوين المرتبطة بها.
عبث المخرجات:
نعتقد أن المسار العام الارتجالي الاستعجالي الذين طبعا تاريخ المنظومة التربوية المغربية لا يمكن أن ينتج إلا أمثال هذا العبث الذي يمكن أن نسجل أشكالا متعددة من أنواعه:
- تم إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين بقرار فردي من الدوائر المتنفذة في القرار السياسي ، وتم الانتهاء منه أيضا بقرار فردي من دون إعطاء فاتورة حساب لأي جهة كانت تحدد المسؤولية عن فشله أو تعثره( ومنذ متى كان المخزن يحاسبه أحد؟)؛
- تم اعتماد برنامج استعجالي على الشاكلة ذاتها ،وتم إغراق وإرهاق المنظومة التربوية بسلسلة متتالية من المشاريع المتباينة التي لم تعمل إلا على تطويق الأجهزة المنفذة بسلاسل أخرى من الاجتماعات وملء التقارير وإحصاء الحجر والبشر والنظريات والمفاهيم والمصطلحات التي لم ير لها أثر إيجابي على الواقع، بل عملت فقط على تأزيم منظومة مأزومة أصلا وحالا.
- كان على الفاعلين التربويين الانتظار حتى 2009 لتتم أجرأة مدخل الكفايات باعتباره المدخل التربوي المعتمد في المقاربة المنهاجية، بمعنى أن المنظومة التربوية عاشت منذ الميثاق دون بوصلة موجهة على المستوى البيداغوجي حيث كان يتم الحديث عن الكفايات المتعددة من دون أن تجد لها سبيلا إلى الأجرأة العلمية ،واستمر الحال إلى أن أنقذنا مكتب خبرة أجنبي فصدّر لنا بيداغوجيا الإدماج وتلقفناها نحن التابعين دوما بالتمجيد والتحميد، وألقينا في بحر لججها المتلاطمة ولما نحسن السباحة فيها بعد.
- بجرة قلم يتم الإعلان وبلغة ماكرة عن التراجع عن هذه البيداغوجيا، وترك العمل بها للمديرين والأساتذة ،و كأن هؤلاء أصلا قد ابدوا حماسا لها وهي التي أغرقتهم في كومة من الأوراق والشبكات التي كان الكل يفرمنها.
تم الإلغاء إذن، بعد أن أهدرت أموال الأمة في تكوينات ارتجالية هي الأخرى كانت فرصة للبعض للتنزه ،وللبعض للأكل والشرب، ولآخرين مصدر رزق ساقه السيد "كزافيي" ،وليعقد أحدنا عملية حسابية ليعرف كم كلف تكوين 131751 من الأساتذة و2196 مفتشا، إذا علمنا أن دفتر التحملات يحدد تكلفة التكوين في 300 درهم عن كل يوم بمعدل 1500 درهم لكل فرد عن 5أيام، أي ما مقداره 200مليون و920 ألفا و500 درهما، و لينظر آخر كم كلف إصدار ركام هائل من الدلائل البيداغوجية والوثائق المصاحبة، وليبحث غيره في كم كلف التعاقد مع مكتب "كزايفيي" وخبرائه، وما خفي كان أدهى وأمر.ناهيك طبعا عن الطامة العظمى المتمثلة في إدخال المنظومة التربوية في سلسلة لا متناهية من الاختبارات والتجارب التي يضيع معها معنى التعليم والتعلم ، وتضيع معها المدرسة والمتعلمون.
دولة العبث:
إن تاريخ التعليم هو الوجه البشع المصغر من العبث الكبير الذي يسيطر على تدبير المخزن لمختلف مناحي الشأن العام، ذلكم العبث الذي جعل من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر تاريخ الفشل بامتياز، ذلك أن العابثين المبذرين المتحكمين في زمام الأمر تجبرا و استبدادا ما تركوا مجالا إلا و بصموه بعبثيتهم ، فتراهم في السياسة ينتجون دساتير ممنوحة تتلوها انتخابات مزيفة تنتج عنها حكومات تصريف تعليمات، وتراهم في الاقتصاد يدشنون مشاريع قارونية لا يتحصل منها الشعب إلا على لظى الأسعار وهوان البطالة وذل التسول ، وتجدهم في الفن يصرفون الملايير على المهرجانات والأفلام الناشرة للميوعة والرذيلة ، وملايير أخرى تدر في جيب المدرب الأشقر لرياضة لا ننال منها سوى الهزائم تترى، وغير ذلك مما أصبح معلوما معيشا للقاصي والداني.
إن المخرج من هذا العبث- لا نمل من تكراره تذكيرا لأولي الألباب- هو التداعي إلى نقاش مجتمعي واسع لا يقصى منه أحد يجعل من قضية التعليم قضية أمة لا قضية حكم ،حيث إنه لا مفر من فك الارتباط بين التعليم والاستبداد السياسي، و من تخليص مصير الأمة من الارتهان لإملاءات المؤسسات المالية الدولية التي لا تخدم في آخر المطاف إلا مصالحها ومصالح محمييها.وإنه ما عاد السكوت يجدي على هذه الجرائم النكراء التي تمارس ضد ناشئتنا، وضد مستقبل أمتنا،وضد أغلى ما تملكه الأمم فلذات أكبادنا يلهو بمصيرهم ثلة من العابثين الذين لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة، و"الله غالب على أمره "،و "إن الله لا يصلح عمل المفسدين."
1 - تقرير الحصيلة المرحلية للبرنامج الاستعجالي برسم سنتي 2009 و 2010 والأسدس الأول من 2011 الرباط- شتنبر 2011

أنا أكره العربية



أحمد العمراوي
2012-05-18


 
1 أنا لا أحب العربية. هذه اللغة ترهقني. لِمَ ندرس العربية ونحن لن نحتاجها مستقبلا ؟ إرهاق، إرهاق. اشرحْ هذا البيت؟. بين معنى الاستعارة ؟. الطباق؟. المقابلة؟. الإعلال؟ لماذا كل هذا يا أستاذ؟
هذه الشكوى آتية من تلميذة يظهر على عينيها الكثير من الذكاء، تدرُس بشعبة العلوم الرياضية بالتعليم الثانوي،. تتحدث بدارجة جيدة وبفرنسية أجود. وتقرأ رغم ذلك النصوص المكتوبة بالعربية الحديثة بدون تلعثم. سألتها عن مضمون فقرة قرأتْها فأجابت بسرعة وبدون خطأ تقريبا على المستوى الشفاهي. تركيب الجملة لديها سليم إلى حد كبير. ورغم ذلك فهي تكره العربية. لماذا تكره هذه الفتاة الذكية اللغة العربية؟
اللغة العربية ( الدارجة شفهيا والفصحى كتابيا) هي اللغة الأم لديها. لها أهمية وتأثير على نوع المواد التي تدرسها بما أن العربية الفصحى هي حاملة لكل المواد التي تتتلقاها لاجتياز امتحانات الباكالوريا. هي لغة تُعتمد في نظام الباكالوريا الدولية ( OBI ) ولها معامل مرتفع في المغرب في هذا النوع من التعليم ( الفرنسي في شعبته الدولية مثلا ) ، ورغم ذلك لم يقنع التلميذة شيئا من هذا. إنها ترهقني وتتعبني يا أستاذ، قالت .
ما سبب رفض هذه التلميذة للغتها الأم؟ هل هو رفض لهويتها؟ من المسؤول عن تبعثر حالتها وعن الإرهاق النفسي الناتج عن تعاملها مع لغة الضاد؟
بعد نقاش قصير لي معها أقرت الفتاة إلى أن العيب قد لا يعود للغة ربما، وإنما لنا نحن كما قالت. جدي هو زنيبر الكاتب السلاوي المعروف . وعائلتي في جزء منها تنتمي لعائلة سكيرج . عائلتنا مشهود لها في الماضي بالعلم والفقه والأدب والتبحر في علوم اللغة العربية كتابة وتدريسا. هذا ما أفصحت عنه. ورغم ذلك أصبحت العربية الفصحى تشكل حاجزا بينها وبين الدراسة. لا أذكر قالت أنني قرأت كتابا باللغة العربية باسثناء مقررات فرضت علي فرضا كرهت لغتها. وكتابات المنفلوطي الثقيلة لم تقدم لي شيئا، ولا جبران خليل جبران الممل, متى سأحتاج هذا النوع من الكتاب في حياتي ؟ فلمن يعود السبب في هذه الوضعية وأشباهها كثير؟ للغة نفسها؟ لطرق تدريسها؟ للبرامج؟ للمدرسة المغربية؟ للمدرسين؟
المسألة أصعب من أن تعالج ببساطة. وشكوى هذه الفتاة المشروعة ستبقى حاضرة دائما وبقوة، وهي في العمق تعبر عن جيل بأكمله. أبناء فقهاء اللغة أصبحوا يكرهون العربية وكأنما انتقاما من حالة الفقر الفكري والتاريخي الذي هم فيه.
2
أنا الان أكتب باللغة العربية كلاما عاديا وبسيطا، وبتركيب بسيط . فعل وفاعل ومفعول به، أو مبتدأ وخبر. لا حاجة للماكياج ، لا حاجة للتزويق . أكتب ما يعن لي ، لدي قاموس اكتسبته من قراءاتي الخاصة انطلاقا من المدرسة ومن الكتب بعد ذلك. لا أجد صعوبة في الكتابة ولذلك قد لا أفهم عمق مأساة هذه الفتاة التي تتحدث معي بعربية دارجة سليمة، وتتحدث مع صديقاتها عبر هاتفها النقال بفرنسية جيدة وسريعة وكأنها نشأت في عمق باريس. لغتي مسكينة. هي حبيبتي وأنا حبيبها، ولكنها ترهقني في التواصل الكتابي يوميا مع فئة الشباب واليافعين. هي ليست حبيبتهم ويكرهونها ويكرهون طريقة تدريسها وقد يكونون معذورين عن ذلك. لمْ أغضب من هذه الفتاة ولا من ابني الذي يتهكم أمامي متسائلا: ما الفائدة من الإعراب يا أبي ؟ هل سنردد أمام صديق في الشارع :أعرب ما يلي : ما أعظم السماء ! وحين يعجز عن الجواب ويطلب منك الجواب الصحيح تجد نفسك عاجزا أنت أيضا ببساطة لكونك نسيت محفوظك الذي لم ولن تفهمه أبدا. نحن ننسى كل شيء في لغتك يا أبي بمجرد الانتهاء من الامتحان.
3
من الذي يضع الحواجز بين اللغة الأم وبين أهلها؟ هذه العينة التي تتفاخر بالحديث بلغة أجنبية لِمَ تكره لغة أجدادها؟ لعل الوظيفية هي ما يدفع هؤلاء لاتخاذ هذا الموقف. أي النفعية في بعدها الضيق. أنا سأتعلم اللغة التي ستدر علي ربحا ماديا مستقبلا، هكذا يتحدثون بلا مراوغة ولا لف.
سألت طفلا يبلغ 13' سنة عن ترجمة كلمة infermi're بالعربية ، فكرا طويلا ولم يستطع جوابا. هو يدرس بمؤسسة مغربية خاصة مشهود لها بأعلى النتائج ، يدرس 8 ساعات للغة العربية وقواعدها وشعرها وسردها، ويفرض عليه قراءات موازية لكتاب عالميين وعرب ومغاربة، ورغم ذلك لم يستطع الجواب عما حوله بذكر لفظ الممرضة. سألته عن armoire ، فبادرني هو بالسؤال عن معنى comptoir بالعربية، لم أستطع الجواب مباشرة، وتعجبت من ذكاء هذا الجيل. سأحتاج هنا ربما إلى قاموس للترجمة للجواب عن سؤال من هذا النوع من الكلمات التي لا نستعملها إلا بالدارجة اليومية , أما المفردات الحديثة المستعملة في الحاسوب والأنترنت فأنا مجرد أمي كبير أمام هذا الطفل الصغير الذي يستعرض علي برامج كاملة للإكسيل والجافا والفوتوشوب وأمثالها. هو لا يهتم بلغة المكتوب بقدر ما يهتم بلغة التقنية الحديثة التي هي لغة العصر، وأنا ضعيف أمامه في مجرد الجواب عن ترجمة لكلمات قليلة الاستعمال في اليومي، رغم كوني متمرس إلى حد ما على ترجمة أكثر القصائد غموضا , أجدني حائرا لا أقوى على فعل شيء أمام هذا العصف اللغوي الهائل.
4
لِمَ يتم رفض التعامل بالحروف العربية بشكلها الحالي؟ هل هو رفض للجذور إذا كانت جذور المتعامل عربية؟ هل هو تمرد على الأب وسعي للتخلص منه وفتله أم أن الجواب في جهة أخرى ؟
بالعودة إلى تصريح التلميذة الأول : أنا أكره العربية يا أستاذ ، استحضرت ما جرى مؤخرا في حمى الانتخابات الفرنسية حين تابعت جزءا كبيرا منها على قناة فرانس 24 الدولية الناطقة بالعربية, شباب وكهول يتحدثون بلغة عربية سليمة ، لغة بسيطة توصل الفكرة بأسرع ما يمكن. تتبعت روبورتاجات عن راديو مونتي كارلو الدولية الناطقة بالعربية التي تضم كمٌّا هائلا من الصحفيين العرب ومن بينهم الشاعر المغربي الحداثي عبد الإله الصالحي. هم يتحدثون بلغة عربية حديثة سهلة التناول والتداول، يوصلون أفكارهم بها دون عقد ولا كراهية وهم يعيشون في اوروبا ، يتقنون لغاتها المتعددة، يتحدثون بالعربية ولا يكرهونها . وقد لا يكون من بين أجدادهم بالضرورة من تفقه وتشرب العربية .
المعضلة اللغوية هي قضية سياسية . قضية بلد. هوية أمة. يتداخل فيها كل شيء. العيب الكبير في أهل اللغة الرافضين عن - وعي أو لاوعي - لكل تطور لا خوف فيه ولا مهادنة لا مع الماضي ولا مع المستقبل.
أختم هذا الكلام بفقرة من مونولوج الفنان الساخر سعيد الناصري الذي يقول فيه متهكا بدارجة جميلة ومعبرة : دورْ مع خوك ، راه قاري غير العربية.
.

إلى روح أبي ، محب العلم ونبراس المعرفة

ذ عبد اللطيف البوزيدي ، إنشاء الموقع 02 / 10 / 2011 .. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

-

-